تقرير حول انتهاكات ضمانات المحاكمة العادلة بحق مهاجري جنوب الصحراء في ليبيا
تقرير حول انتهاكات ضمانات المحاكمة العادلة بحق مهاجري جنوب الصحراء في ليبيا
الجهة المعدة للتقرير: جمعية عدالة للجميع
النطاق الجغرافي:
سبها، جنوب ليبيا، ومحكمة استئناف طرابلس، الدوائر الجنائية.
الفئات المتأثرة:
مهاجرون وغير ليبيين، ولا سيما مهاجرو جنوب الصحراء.
مصادر المعلومات:
يستند هذا التقرير إلى معلومات ميدانية رصدتها جمعية عدالة للجميع ، إضافة إلى متابعة جلسات قضائية، وتوثيق حالات تأجيل، وملاحظات عملية حول أوضاع المهاجرين داخل مسار العدالة الجنائية.
أولا: الملخص التنفيذي
يوثق هذا التقرير تكرار انماط معينة من الانتهاكات الموجهة ضد المهاجرين المنحدرين من دول جنوب الصحراء، وكذا المتقاضين الأجانب في إطار منظومة العدالة الجنائية الليبية. وتتوزع هذه التجاوزات على طول السلسلة الإجرائية، حيث تبدأ الانتهاكات من مرحلة القبض والاستدلال، وتمتد إلى التحقيق أمام النيابة العامة، ثم إلى جلسات المحاكمة.
و تتمثل المظاهر الإجرائية لهذه الانتهاكات في الإخلال بضمانات المحاكمة العادلة، مثل غياب آليات الترجمة الفورية للمتقاضين ، وضعف السبل للتمتع بالمساعدة القانونية وتوكيل محام، وتأجيل الجلسات بشكل متكرر، والتمديد غير القانوني لمدد الاحتجاز. وتتكرر هذه الممارسات بصفة ملحوظة في مناطق جغرافية معينة على غرار سبها وفي عدد من الدوائر الجنائية بمحكمة استئناف طرابلس.
وتشير المعلومات الميدانية، إلى أن هذه الاخلالات تسلط بشكل أشد على مهاجري جنوب الصحراء، لضعف تمكنهم من اللغة العربية، وصعوبة النفاذ الى المعلومات المتعلقة بقضايا تخص الأجانب، والأخطاء المتكررة في كتابة الأسماء غير العربية، إضافة إلى الخوف من توثيق هذه القضايا أو المعلومات المتعلقة بها، في ظل خطاب عام يربط الدفاع عن حقوق المهاجرين بقضية “التوطين”.
لا يفيد هذا التقرير بالضرورة بوجود سياسة معلنة تستهدف هذه الفئة، لكنه يرصد انماطا وممارسات عملية على أرض الواقع، تؤدي إلى أثر غير متكافئ على المهاجرين الأفارقة والأجانب الغير الناطقين بالعربية، بما يستدعي تدخلاً عاجلاً من السلطات الليبية ومتابعة دقيقة من المنظمات الأممية المختصة.
ثانياً: المنهجية ومصادر المعلومات
يعتمد هذا التقرير على معطيات ميدانية رصدتها جمعية عدالة للجميع في متابعة قضايا المهاجرين والأجانب، إلى جانب ملاحظات مستخلصة من محاضر بحث أو متابعة جلسات قضائية، ورصد أسباب تأجيل الجلسات، ومدة الحبس الاحتياطي، والصعوبات العملية التي تواجه المتقاضين الأجانب داخل المنظومة العدلية.
وتشمل مصادر المعلومات المعتمدة في إعداد التقرير ما يلي:
ملاحظات من المتابعة الميدانية في سبها ومحيطها.
متابعة جلسات الدوائر الجنائية بمحكمة استئناف طرابلس.
جدول حالات تأخير المحاكمة، متضمناً أرقام القضايا، الدوائر، أسباب التأجيل، وتواريخ الجلسات.
إفادات المتقاضين بشأن نقص الترجمة والمساعدة القانونية.
توثيق الملاحضات حول صعوبة تتبع قضايا الأجانب وأخطاء كتابة الأسماء غير العربية.
ويعتمد التقرير على تحليل نوعي للأنماط المتكررة، وليس على حصر شامل لجميع القضايا. لذلك، تُعرض الحالات الواردة فيه كأمثلة نموذجية تعكس نمطاً أوسع يحتاج إلى تحقيق رسمي ومعالجة مؤسساتية.
ثالثاً: الإطار القانوني الدولي
ترتبط الوقائع المرصودة بالالتزامات الدولية للدولة الليبية في مجال حماية الحق في الحرية والأمان الشخصي، وضمانات المحاكمة العادلة والمساواة أمام القضاء، وحظر التمييز، وحماية الأطفال في إجراءات التقاضي، وحظر التعذيب وسوء المعاملة. وتكتسب هذه الالتزامات أهمية خاصة في القضايا التي يكون أطرافها من المهاجرين أو غير الناطقين بالعربية، لأن ضمانات الفهم والمشاركة الفعلية في الإجراءات وخاصة الترجمة، والتمكين من الدفاع، والبت في القضايا خلال مدة معقولة ليست ضمانات شكلية بل شروط جوهرية لصحة المحاكمة.
علاوة على ذلك، لا يقتصر حظر التمييز على السياسات المُعلنة فحسب، بل يمتد ليشمل "الأثر التمييزي"، وذلك عندما تُفضي الإجراءات أو الثغرات الإدارية إلى تأثيرات غير متناسبة على فئة بعينها، كالمهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء.
وفي الحالات التي يكون فيها تحديد السن محل شك نتيجة غياب وثائق الإثبات، تُلزم المعايير الدولية بتفعيل الضمانات القانونية الخاصة بالأطفال (الأحداث). ويشمل ذلك اعتبار تطبيق العقوبات السالبة للحرية كملاذ أخير ويتم اعتماد المدة الأقصر زمنيا، مع ضمان إعلام الطفل بلغة يفهمها، وتوفير المساعدة القانونية وخدمات الترجمة عند الاقتضاء.
وأخيراً، فإن إطالة مدة الاحتجاز، إلى جانب غياب الشفافية وصعوبة وصول المحامين إلى المحتجزين، يرفع من احتمالات التعرض لسوء المعاملة. وهو ما يستدعي التطبيق الصارم للالتزامات الخاصة بمنع التعذيب، والتحقيق في كافة الادعاءات المرتبطة به، فضلاً عن ضمان فرض رقابة فعّالة ومستقلة على أماكن الحرمان من الحرية.
رابعاً: أنماط الانتهاكات المرصودة
نقص الترجمة وحرمان المهاجرين من فهم الإجراءات
تشير التوثيقات الميدانية التي أجراها المحامون إلى وجود عجز حاد في توفر المترجمين، ولا سيما للغتي الهوسا والسواحلية في مدينة سبها. ولا يقتصر هذا النقص على جلسات المحاكمة، بل يمتد إلى مراحل القبض والاستدلال والتحقيق أمام النيابة العامة.
ويؤدي غياب الترجمة إلى حرمان المتهم من فهم سبب القبض عليه، وطبيعة التهمة، ومضمون الأسئلة الموجهة إليه، والإجراءات المتخذة بحقه. كما يضعف قدرته على التواصل مع محاميه أو تقديم دفاع فعال.
ويتسبب هذا النقص أيضاً في تأجيل الجلسات عند غياب المترجم، مما يؤدي إلى إطالة مدة الإيقاف، خصوصاً في القضايا التي يكون فيها المتهم محتجزاً منذ فترة طويلة.
ضعف المساعدة القانونية
وثّقت جمعية "عدالة للجميع" من خلال رصدها الميداني قصوراً حاداً في منظومة المحاماة العامة في الجنوب الليبي، ولا سيما في مدينة سبها. ويمكن أن يؤدي هذا القصور إلى النظر في العديد من قضايا الجنح والمخالفات المتعلقة بالمهاجرين في غياب التمثيل القانوني، أو دون توفير ضمانات التمكين الفعلي من حق الدفاع.
ورغم أن وضع الجنايات يبدو أفضل نسبياً بسبب توفير محامين أمام محاكم الاستئناف، فإن هذا لا يعالج المشكلة في قضايا الجنح والمخالفات، التي قد تترتب عليها تطبيق عقوبات سالبة للحرية أو آثار خطيرة على الوضع القانوني للمهاجر.
ويزداد أثر غياب الدفاع عندما يقترن بغياب الترجمة، لأن المتهم في هذه الحالة لا يفهم الإجراءات ولا يملك وسيلة فعالة للاعتراض أو الدفاع.
إطالة الحبس الاحتياطي وتأجيل المحاكمات
يوثق التقرير حالات تأجيل متكررة للجلسات أمام محكمة استئناف طرابلس، بناءً على معلومات مرصودة من محامين متابعين لهذه القضايا. وترتبط أسباب التأجيل غالباً بعدم جلب المتهمين الى قاعات المحكمة أو غياب المترجمين. وتؤدي هذه التأجيلات إلى استمرار حبس المتهمين لأشهر أو سنوات دون فصل قضائي.
ويعد هذا النمط خطيراً لأنه ينقل أثر الخلل الإداري إلى المتهم المحتجز، في تحمل نتيجة غياب المترجم أو عدم نقله إلى المحكمة، رغم أن ذلك لا يقع ضمن مسؤوليته.
ومن شأن هذا الوضع أن يمس الحق في الحرية، والحق في المحاكمة خلال مدة معقولة، والحق في عدم التعرض للاحتجاز مطوّل دون مراجعة قضائية فعالة.
صعوبات إثبات الهوية والسن
جرى توثيق إشكاليات جوهرية تتعلق بتحديد سن الأطفال أو الأحداث غير الحاملين لوثائق رسمية. وتبرز هذه الإشكاليات في غياب إجراء البحوث الاجتماعية المنتظمة، والقصور في إحالة الحالات المُلتبسة إلى الطب الشرعي لتقدير السن عند الاقتضاء.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في سياق المهاجرين، لأن كثيراً منهم لا يحملون وثائق هوية رسمية . وقد يؤدي غياب إجراءات دقيقة للتحقق من السن إلى معاملة أطفال أو أحداث باعتبارهم بالغين، وحرمانهم من الضمانات القانونية الخاصة و المكفولة للأطفال في تماس مع القانون.
صعوبة تتبع ملفات الأجانب
تشير المعلومات الميدانية إلى وجود صعوبات منهجية في الوصول إلى معلومات تخص قضايا الأجانب، مقارنة بغيرهم من المتهمين. وتشمل هذه الصعوبات ما يلي:
صعوبة معرفة مكان احتجاز المتهم أو وضع قضيته.
أخطاء متكررة في كتابة الأسماء غير العربية.
اختلاف تهجئة الاسم بين محضر وآخر أو بين جهة وأخرى.
خوف بعض المحامين أو المدافعين من طلب معلومات عن قضايا المهاجرين بسبب حساسية خطاب “لا للتوطين”.
وتؤدي هذه الصعوبات إلى إضعاف قدرة المحامي أو الأسرة أو الجهات الحقوقية على متابعة الملف، وقد تتسبب في تفويت مواعيد أو ضياع فرص الدفاع.
خامساً: مؤشرات التمييز في الأثر
لا يخلص التقرير بالضرورة إلى وجود سياسة معلنة تستهدف مهاجري جنوب الصحراء. غير أن المعلومات التي رصدها محامون على الأرض تشير إلى أن اجتماع العوامل السابقة يؤدي عملياً إلى أثر غير متكافئ على هذه الفئة. فالمهاجر غير الناطق بالعربية يواجه عائق اللغة، ثم عائق ضعف الدفاع، ثم عائق صعوبة تتبع الملف، ثم عائق التأجيلات المتكررة، مما يجعله في وضع أضعف من غيره داخل منظومة العدالة.
وبذلك، فإن الإشكال لا يقتصر على نقص الموارد، بل يمتد ليُنتج آثاراً تمييزية فعلية، خصوصاً عندما تكون الفئات المتضررة هي من المهاجرين الأفارقة أو غير الناطقين بالعربية
سادساً: السياق الأوسع لخطاب الكراهية والعنصرية ضد المهاجرين السود
لا يمكن عزل الممارسات المرصودة داخل مسار العدالة الجنائية عن السياق الأوسع الذي تشهده ليبيا والمنطقة خلال الفترة الأخيرة، والمتمثل في تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية ضد المهاجرين، ولا سيما المهاجرين السود ومهاجري جنوب الصحراء.
وقد رصدنا أن المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء في ليبيا يواجهون أنماطاً واسعة من الانتهاكات، تشمل الاحتجاز التعسفي، والاستغلال، والعنف، وسوء المعاملة، في بيئة تتسم بالإفلات من العقاب والهشاشة المؤسساتية. وقد أشار تقرير مشترك صادر عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن الانتهاكات ضد المهاجرين في ليبيا خلال عامي 2024 و2025 ليست حوادث معزولة، بل تشكل نمطاً واسعاً وممنهجاً.
وفي هذا السياق، يصبح غياب الترجمة، وضعف المساعدة القانونية، وصعوبة تتبع ملفات الأجانب، وطول فترات الحبس الاحتياطي، أكثر من مجرد إخلالات إدارية أو نقص في الموارد. فهذه الممارسات تقع داخل مناخ عام يسمح بتطبيع المعاملة التمييزية ضد المهاجرين السود، ويجعلهم أكثر عرضة للتجاهل المؤسسي والحرمان من الضمانات الإجرائية الأساسية.
كما سبق لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن أشارت إلى أن مهاجري جنوب الصحراء في ليبيا يواجهون العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب، وأن هذه الممارسات تتأثر أيضاً بخطابات تُحمّلهم مسؤولية مشكلات اجتماعية أو أمنية أوسع.
وتزداد خطورة هذا السياق عندما يتردد خطاب عام يربط وجود المهاجرين السود بمخاوف “التوطين” أو “تغيير التركيبة السكانية”، بما قد يخلق بيئة معادية لا تؤثر فقط على تعامل المجتمع معهم، بل قد تمتد آثارها إلى طريقة تعامل المؤسسات، بما فيها جهات إنفاذ القانون والعدالة، مع قضاياهم وحقوقهم.
وعليه، فإن الانتهاكات المرصودة في هذا التقرير لا ينبغي التعامل معها كحالات شاذة أو أخطاء إجرائية معزولة، بل كجزء من بيئة أوسع تتطلب من السلطات الليبية اتخاذ تدابير واضحة لمكافحة خطاب الكراهية والعنصرية ضد المهاجرين السود، وضمان عدم انعكاس هذه الخطابات على حقهم في العدالة، والحرية، والدفاع، والمساواة أمام القانون.
سابعا: حالات نموذجية من محكمة استئناف طرابلس
تستعرض القائمة التالية نماذج لحالات قضائية وُثّقت ميدانياً، والتي تُجسد نمطاً منهجياً لتأجيل الجلسات؛ إما بسبب الافتقار إلى المترجمين، أو نتيجة لتعذر إحضار المتهمين من مقار الاحتجاز:"
ثامناً: إفادات ميدانية من مختصين حول مسار الانتهاك (من القبض إلى المحكمة)
إلى جانب الانتهاكات الموثقة، تلقت جمعية "عدالة للجميع" إفادات ميدانية متقاطعة من خبراء ومحامين عاملين على قضايا المهاجرين في الجنوب الليبي. وتُجمع هذه الإفادات على رصد نمط منهجي من الانتهاكات يبدأ منذ لحظة التوقيف الأولى ويمتد حتى قاعات المحاكم. وتؤكد الشهادات إيداع العديد من المهاجرين، فور القبض عليهم، في مرافق احتجاز تفتقر إلى المعايير الدنيا للكرامة الإنسانية. كما تُجرى إجراءات الاستدلال الأولية في غياب تام للمترجمين، مما يُفضي إلى دفع المحتجزين للإمضاء أو البصم على محاضر يجهلون محتواها تماماً ولا يدركون طبيعة التهم المنسوبة إليهم. علاوة على ذلك، تتجاوز فترات الاحتجاز لدى جهات الضبط القضائي المدد القانونية القصوى، حيث تتأخر الإحالة إلى النيابة العامة لفترات متفاوتة، قد تصل في بعض الحالات إلى أسبوع أو أكثر، مما يُشكل احتجازاً تعسفياً.
وتضيف الإفادات أن المهاجرين قد يتعرضون لضروب من سوء المعاملة عند نقلهم إلى النيابة العامة، بما يشمل إحضارهم في ظروف مهينة، مع ورود شهادات حول تعرض بعضهم للضرب أو اقتيادهم دون أحذية. وفي مرحلة النيابة العامة، ورغم وجود مساعٍ لتوفير مترجمين في بعض الملفات، إلا أن غياب التمثيل القانوني الفعلي لا يزال قائماً في عدد كبير من القضايا. إذ غالباً ما يمثل المتهم للتحقيق دون محامٍ يرافقه، ولا يتم إعلامه بحقوقه القانونية على النحو الواجب، الأمر الذي يضاعف من شعوره بالعجز والاغتراب، ويقوض تماماً قدرته على ممارسة حقه في الدفاع
ولدى إحالة الدعاوى إلى المحاكم المختصة، تبرز إشكاليتان هيكليتان وفقاً للإفادات الميدانية: تتمثل الأولى في استمرار تعذر إحضار المتهمين من مؤسسات الإيداع لحضور الجلسات، بينما تتجلى الثانية في الإرجاء المتكرر لقضايا المتهمين غير الناطقين بالعربية لعدة جلسات متعاقبة ترقباً لتوفر مترجم. ما في جلسات الجنح والمخالفات على وجه الخصوص، فتؤكد الإفادات أن المهاجر يواجه في كثير من الأحيان مصيره وحيداً دون دفاع فعلي، في مقابل تحسن نسبي في بعض دوائر الجنايات حيث يتوفر تمثيل قانوني أكثر انتظاماً.
وبناءً عليه، تُقاطع هذه الإفادات ما خلصت إليه التقارير السابقة، لتؤكد أن هذه الانتهاكات لا تُعد ممارسات عرضية، بل تُشكل مساراً متسلسلاً وممنهجاً يبدأ منذ لحظة التوقيف، مروراً بالتحقيق، وصولاً إلى المحاكمة. ويُفرز هذا المسار واقعاً يتسم بإطالة أمد الحبس الاحتياطي، وإهدار ضمانات المحاكمة العادلة، مع إحداث تأثير غير متناسب يقع عبئه الأكبر على المهاجرين غير الناطقين باللغة العربية.
تاسعا: الاستنتاجات
يُظهر رصد منظمة عدالة للجميع أن مهاجري جنوب الصحراء لا يواجهون مشكلة واحدة داخل مسار العدالة الجنائية، بل سلسلة من العوائق المتصلة ببعضها. تبدأ غالباً من صعوبة الفهم بسبب غياب الترجمة، ثم تتفاقم مع ضعف المساعدة القانونية، وتأجيل الجلسات، وصعوبة معرفة مسار الملف أو مكان وجود المتهم.
هذه العوائق تجعل المتهم المهاجر في موقع أضعف من غيره، خصوصاً إذا كان لا يتحدث العربية ولا يملك أسرة أو شبكة دعم قادرة على متابعة قضيته. وفي الحالات المرصودة، لا يبدو أن التأخير ناتج دائماً عن تعقيد القضايا، بل عن أسباب إجرائية متكررة مثل غياب المترجم أو عدم جلب المتهمين من أماكن الاحتجاز.
والنتيجة العملية لذلك هي بقاء أشخاص رهن الحبس لفترات طويلة دون فصل في قضاياهم، مع قدرة محدودة على الدفاع عن أنفسهم أو حتى فهم ما يحدث في ملفاتهم. وهذا يثير مخاوف جدية بشأن الحق في المحاكمة العادلة، والحق في الحرية، والمساواة أمام القضاء.
كما أن هذه الممارسات لا تحدث بمعزل عن السياق العام، بل تأتي في ظل بيئة أوسع تشهد تصاعداً لخطاب الكراهية والعنصرية ضد المهاجرين الأفارقة. لذلك، فإن التعامل معها كأخطاء إدارية بحتة لم يعد كافياً، لأنها تؤدي عملياً إلى نتائج تمييزية تقع وطأتها على فئة محددة.
وبناءً على ذلك، ترى جمعية "عدالة للجميع" أن هذا النمط من الانتهاكات يتطلب معالجة جذرية من السلطات الليبية، لا سيما فيما يتعلق بتوفير المترجمين، وضمان حضور هيئة الدفاع، ومراجعة حالات الحبس الاحتياطي المطول، وتسهيل الوصول إلى ملفات القضايا. كما يستدعي الأمر متابعة حثيثة من المنظمات الأممية المختصة، لضمان ألا يُترك المهاجرين خارج نطاق الحماية الفعلية للقانون
تاسعاً: التوصيات
في ضوء المعلومات المرصودة والأنماط التي يعرضها هذا التقرير، يوصي التقرير باتخاذ الخطوات الآتية:
إلى السلطات الليبية
إعداد قائمة مترجمين معتمدين أو متعاونين للغات الأكثر استخداماً بين المهاجرين، وخاصة الهوسا والسواحلية والفرنسية، وتعميمها على مراكز الشرطة والنيابات والمحاكم في كافة أنحاء ليبيا.
عدم الاستمرار في التحقيق أو المحاكمة عندما يكون المتهم غير قادر على فهم الإجراءات بسبب غياب الترجمة.
تسجيل سبب التأجيل بوضوح في محضر الجلسة، خاصة عندما يكون السبب غياب المترجم أو عدم جلب المتهم من جهة الاحتجاز.
تحسين التنسيق بين المحاكم والشرطة القضائية وجهات الاحتجاز لضمان إحضار المتهمين في مواعيد الجلسات.
مراجعة القضايا التي طال فيها الحبس الاحتياطي، خصوصاً القضايا التي تأجلت أكثر من مرة لأسباب لا علاقة للمتهم بها.
ضمان حضور محامٍ في القضايا التي قد تنتهي بعقوبة سالبة للحرية، وخاصة عندما يكون المتهم مهاجراً أو لا يتحدث العربية.
اعتماد طريقة أوضح لتسجيل أسماء المتهمين غير العرب، بما يقلل من أخطاء التهجئة وصعوبة تتبع الملفات.
تمكين المحامين من الحصول على المعلومات الأساسية عن القضايا، مثل مكان الاحتجاز، رقم القضية، موعد الجلسة، وسبب التأجيل.
التعامل بحذر مع الحالات التي يكون فيها سن المتهم غير واضح، وعدم معاملته كبالغ تلقائياً قبل التحقق من السن عبر الإجراءات المناسبة.
التأكيد، في الخطاب الرسمي والممارسة العملية، أن مكافحة الهجرة غير النظامية لا تعني حرمان المهاجرين من حقوقهم الأساسية في الترجمة، و الدفاع، والمحاكمة العادلة، والمعاملة الكريمة.
إلى المجلس الأعلى للقضاء والنيابة العامة
إصدار تعميم واضح للمحاكم والنيابات يؤكد أن الترجمة والمساعدة القانونية في قضايا الأجانب ليستا مسألتين شكليتين، بل ضمانتان أساسيتان لصحة الإجراءات.
متابعة القضايا التي تتكرر فيها أسباب التأجيل، مثل غياب المترجم أو عدم جلب المتهم، لمعرفة سبب الخلل ومعالجته.
تخصيص آلية دورية لمراجعة القضايا التي طال فيها الحبس الاحتياطي، وخاصة القضايا التي يكون فيها المتهمون أجانب أو غير ناطقين بالعربية.
تحسين التواصل بين المحاكم وجهات الاحتجاز قبل موعد الجلسة، للتأكد من إمكانية جلب المتهمين وعدم تأجيل الجلسة لأسباب إدارية متكررة.
إلى نقابات المحامين ومنظمات المجتمع المدني
دعم إنشاء شبكة من المحامين المتطوعين أو المناوبين لمتابعة قضايا المهاجرين الذين لا يستطيعون توكيل محامٍ، خصوصاً في سبها والجنوب.
التوثيق الدقيق للمبررات الإجرائية لتأجيل الجلسات، وعدم الاكتفاء بتسجيل عدد القضايا، ذ إن التحديد الدقيق لمسببات التأخير يُعد ركيزة أساسية لبلورة حلول هيكلية وعملية.
تدريب محامين شباب على آليات الدفاع في قضايا المهاجرين والأجانب، مع إيلاء أهمية خاصة لإشكاليات انعدام الترجمة، والإجراءات الخاصة بتقدير السن، وطعون الحبس الاحتياطي، وضمانات المحاكمة العادلة.
الالتزام الصارم بحماية سرية البيانات الموثقة، وحجب هويات المتهمين وأسرهم ومحاميهم، درءاً لأي مخاطر أو أعمال انتقامية قد تطالهم.
إلى المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين، والمقرر الخاص المعني بالعنصرية والتمييز وكراهية الأجانب
مخاطبة السلطات الليبية بشأن القضايا التي طال فيها الحبس الاحتياطي لمهاجرين وغير ليبيين، خاصة عندما يكون التأخير مرتبطاً بغياب الترجمة أو عدم جلب المتهمين إلى الجلسات.
طلب توضيحات من السلطات الليبية حول التدابير المتخذة لضمان توفير الترجمة للمتهمين الأجانب وغير الناطقين بالعربية في مراحل القبض، والتحقيق، والمحاكمة.
طلب معلومات عن عدد المتهمين الأجانب المحتجزين احتياطياً، ومتوسط مدة الحبس، وعدد القضايا التي تأجلت بسبب غياب مترجم أو عدم جلب المتهمين من جهات الاحتجاز.
إثارة أثر خطاب الكراهية والعنصرية ضد المهاجرين السود على وصولهم إلى العدالة، لا سيما عندما يؤدي هذا الخطاب إلى الخوف من توثيق الانتهاكات أو متابعة قضاياهم قانونياً.
حث السلطات الليبية على اعتماد خطوات عملية، مثل إعداد قوائم مترجمين، توفير محامين مناوبين، مراجعة حالات الحبس المطوّل، وتحسين طريقة تسجيل أسماء الأجانب داخل المنظومات القضائية.
دعوة السلطات الليبية إلى ضمان ألا تتحول أوجه القصور الإدارية، مثل نقص الترجمة أو ضعف التنسيق مع جهات الاحتجاز، إلى نتائج تمييزية تمس مهاجري جنوب الصحراء وغير الناطقين بالعربية.
وتدعو عدالة المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين، والمقرر الخاص المعني بالعنصرية والتمييز وكراهية الأجانب، إلى متابعة هذه الانتهاكات مع السلطات الليبية باعتبارها مسائل تمس الحق في الحرية، والمحاكمة العادلة، والمساواة أمام القضاء، وعدم التمييز.

